منذ إطلاق وثيقة رؤية 2030 في عام 2016 أخذت كل مؤسسة تتهافت
على تمحيص مقتضاياتها واستخلاص ما ورد في بنودها وما له علاقة في مجال عمل تلك
المؤسسة؛ محاولة بذلك تنفيذ منطلقاتها وأهدافها مباشرة، ومن ثَمَّ سيأتي الوقت
لوضع الخطط والإجراءات المتعلقة بمرحلية التطبيق وآلياته.
وهذا الحال يحاكي المثل القائل: "ما هكذا تورد الإبل"،
إن العمل بهذه الوتيرة سيقضي على هدف المشروع الطموح في تحقيق التنمية المستدامة،
وسيجعل من هذه المحاولات الغير مدروسة تطبيقات تمثيلية ليست واقعية ذات كفاءة
وإنتاجية.
نحن حتى اليوم لم نكرِّس غايات الرؤية في نفوس الأفراد والمجتمع،
وأنا كمهتم في الجانب التخطيطي والإداري قرأت الوثيقة عدة مرات كي ألمَّ بجوانبها
وأحيط بمفاهيم محاورها، ووجدت أنه ليس بالأمر السهل هضم الفكرة قبل اختمارها.
عليناً أن نعلم أولاً أن الرؤية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت كردة فعل
لصيحة عالمية تنادي بضرورة إيجاد أرض صلبة لتنمية مستقبلية مستدامة لجميع الدول،
من هنا صيغت الوثيقة الأممية والوطنية للتنمية المستدامة كبذرة لمشروع تغييري في
النواحي الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والإدارية والبيئية، وإرساء مبادئ
الحوكمة الفاعلة في جميع القطاعات من خلال التعامل بشفافية، والمشاركة في صنع
القرارات، وتفعيل دور المسؤولية والمساءلة، والقضاء على المحسوبيات والفساد
الإداري والمالي التي استشرت في بدن المؤسسات فأصابتها بالترهل والنضوب.
إلا أن الأفكار التي تتالت بعد الإعلان عن الوثيقة - والتي تناولت
سُبُل تحقيق أهدافها الإستراتيجية، وكيفية تفعيلها واقعياً - كانت كفقاعات تنشأ
لتُرى ثم تتلاشى. رغم إيجابيتها في توليد مقترحات وتصورات من باب العصف الذهني.
إن تسويق الرؤية منذ إطلاق وثيقتها وبنسبة كبيرة عبارة عن لافتات
إعلانية لا تعني للكثيرين من أطياف المجتمع شيء، كما أصبح شعارها رمزية تردف مع كل
شعار، بل إن من أسباب تشتت مضامينها هو نشرها في منشورات برؤى مؤسساتية مختلفة،
وأوجه ومشارب في مجالات مختلفة؛ ما جعل الأمر يبدو عسيراً للإحاطة بمقاصدها التنموية
لدى الكثير من فئات المجتمع.
ومن جانب آخر نجد إقامة الأنشطة التوعوية والتفعيلية لمكنونات
الرؤية من ورش وبرامج تدريبية ومؤتمرات وندوات محلية وخارجية، وهي في الحقيقة وإن
كانت ناجعة إلا أن نجاعتها تسير بشكل متباطئ؛ كونها نشاطات تلامس حاجات المستويات
الإدراية العليا في المؤسسات، مع الإغفال غالباً عن تثقيف المجتمع المحلي من
مواطنين ومقيمين أو المستويات التنفيذية التي تمثل القاعدة التي يمكن من خلالها
الوصول إلى رأس الهرم وتحقيق الأهداف الإستراتيجية للرؤية بشكل شمولي لا نوعي.
من المهم أن نعلم بأن الرؤية جاءت لتكوين مجتمع معرفي، وتعزيز
اقتصاد المعرفة الذي أصبح مسلكاً ساخناً تكتظ به الاقتصادات العالمية. ولن يتأتى
ذلك إلا بإيجاد بنية تحتية قوية من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهو ما تحقق
جزء منها بغض النظر عن نقص المعلومات وعدم تحديثها في كثير من المواقع الإلكترونية
للجهات الحكومية.
إذن كيف لنا أن نحقق الرؤية على الصعيد الفردي والذي يقع على عاتقه
ترجمة منطلقات الرؤية عملياً إلى واقع؟!
نحن لا نعطي الطالب مقررات دراسية فنقول له: تعلَّم ..! بل نضع من
يكفل تعليمه وتوجيهه والإشراف عليه حتى يساعده على فهم ما حواه المقرر من معارف
ومهارات، والتأكد من ذلك بعملية التقييم.
فالمؤسسات الحكومية تتناول مرامي الرؤية وتطوعها كيفما شاءت على
أهداف تلك المؤسسات السالفة، وبما تمتلكه من إمكانات وموارد، ومن الضرورة بمكان أن
تتغير أهداف المؤسسات لتوافق ما تنشده الرؤية لا العكس.
ولكي تنجح القطاعات في تحقيق الرؤية عليها أن تعمل على تنمية الفرد
معرفياً ومهارياً ووجدانياً وإبداعياً بشكل شامل ومتكامل تتوازى فيها الخطوط
ليصلوا جميعاً إلى المكتسبات المنشودة؛ وهذا ما من شأنه يحقق استدامة التنمية.
لقد استطلعت معظم نماذج تحقيق الرؤية، ووجدتها نماذج مؤسساتية،
فارتأيت إلى إفراد نموذجي الشخصي، وبدأت فعلياً بتحقيق جزء من رؤية 2030 من خلال: غرس القيم
والسلوك الإيجابي في نفوس أبنائي، وممارستي اليومية للرياضة، والمحافظة على صحتي
وصحة أسرتي بالوقاية والعلاج، وحرصي على نظافة البيئة من حولي، وادخاري نسبة 10%
من إجمالي الدخل الشهري، وسأتأنى لحين الاستثمار مستقبلاً .. ومشاركتي لبعض
الأعمال التطوعية، وتنمية قدراتي المهنية والحرفية للأعمال الحياتية، وكذلك شعوري
بالمسؤولية تجاه ديني ووطني وعائلتي وعملي ...
ولَكَم تمنيت مع بداية عامنا الدراسي الجديد بأن أجد منهجاً
تعليمياً يتناول رؤية المملكة 2030 وأرشح بتسميته
"مقرر التنمية المستدامة"، يتناول وحدات دراسية عن القيم والمبادئ،
والسلوك والذكاء الاجتماعي، والمسؤولية الذاتية والاجتماعية، وقضايا الاستثمار
والادخار، وإجراء البحوث حول تنويع مصادر الدخل، وطرق إبداعية لحل المشكلات، وكيفية تفعيل أهداف
الرؤية على المستوى الفردي والجماعي، ونبذة عن الأنشطة الخيرية والتطوعية وأهميتها
... إلخ.
ولنعرج بشكل مبسط على مرتكزات الرؤية ومحاورها الأساسية فنجد
مرتكزات الرؤية هي: السعودية كونها العمق العربي والإسلامي، والقوة الاستثمارية الضخمة،
والمحور الرابط للقارات الثلاث. أما محاور الرؤية الرئيسية فهي: ما اشتملت عليه
السعودية من مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. ويندرج تحت المحور الأول ثلاثة محاور فرعية، فتهدف الرؤية لتحقيق مجتمع حيوي: ذي قيم راسخة، وبيئة عامرة، وبنيان متين. أما المحور الثاني فيهدف لتحقيق اقتصاد مزدهر: فرصه مثمرة، استثماره فاعل، تنافسيته جاذبة، وموقعه مستغل استغلالا أمثلا. أخيرا وليس آخراً، فإن المحور الثالث يهدف لتحقيق وطن طموح من خلال عنصريه: الحكومة
الفاعلة والمواطن المسؤول. وبهذا يتضح لنا أن للرؤية أهدافاً قطاعية ذات بعد فردي واجتماعي، اقتصادي وبيئي وإداري.
كلمة أخيرة: إن ما تحتاجه الرؤية لتحقيق وجودها وضمان تطبيقها بين
المؤسسات والمجتمع المحلي: عقل واعٍ، ومسؤول متأنٍ، وخطة سليمة.

