أبو اليتيم محب الله آل خطيب الميمني الأفغاني !!
في حجي لعام 1430هـ ، قمت بزيارة مكتب الدعوة لهيأة كبار العلماء بمشعر الله الحرام مزدلفة ، برفقة أخي الأكبر المدعي العام / ضيف الله القرشي ، ورفيق دربنا الأستاذ / سعد السعيدي .
استقبلنا رئيس المكتب الشيخ / محمد الخميس ، وقد أتحفنا بما قدمه لنا من رعاية وتكريم – وفقه الله ونفع به - ، وقد واجهنا طائفة من الشيوخ الأجلاء – نفع الله بهم الإسلام والمسلمين – وفي أثناء جلوسنا مع الشيخ الخميس وإذا بشاب نحيل الجسم مشروم الأنف في رقبته غور وتشوه واضح وجدته يميل إلينا قليلاً قليلاً حتى اتخذ مجلساً بيننا وجلس ، وإذا به ينظر إلينا ويبتسم ، ويحاول أن يقل لنا شيئاً ، فأطلت النظر إليه عله يخرج ما في جعبته ، فتحدث بكلام لم أستوضحه ؛ فأشرت إليه بأن يعيد ما قاله ، فأعاد ولم أستطع الإيضاح ؛ لقد كان منحور الصوت ، لا يكاد صوته يخرج من حلقه حتى يتعدى فيه ، ثم اقترب مني وأخذ يحدثني عن قصته التي استأنست بها معه في تلك الليلة .. وسأروي بعض ما جاء فيها على لسانه ؛ لتعيشوا ما عشته في تلك الليلة :
يقول : أقسمت أن أروي ؛ فهذه قصتي – وهي قصة أديب ، وشاعر ، وخيَّال – أفغاني الأصل ، يجيد الفروسية ، وما تبلورت قصتي إلا من مغامرة خضتها في حياتي فأودت بي إلى حادثة .
وإن أردتم قراءتها فاقرؤوها بعين تحرقها دمعة حرة ، لا بعين الهوى ؛ فعين الهوى عمياء !
لم يستطع الشاب أن يسردها كاملة لي ، ففضل كتابتها وإرسالها عبر جوالي ؛ لقوله : ما على العاجزين مثلي سوى تسطير الحبر على الأوراق !
نقطة تحول حياتي حدثت يوم الخميس ، ثاني يوم من عيد الفطر لعام 1413 هـ ، بعد صلاة العصر ، في الطائف بمنطقة الرُّدَّف .
في هذا اليوم ارتدت البقاع ثياب الحزن ، وتحللت بالمآسي ، يوم غاب عنه شمس المحب ، يوم خاب فيه أملي ، فبعد هذا اليوم كل وردٍ صار شوكاً في زماني ؛ أكتم آلامي وأحزاني ولكنها تبدو وتظهر بعد كتماني .
ولا يخفى عليكم أنه في يوم العيد يكون الكل سعيد ، واللبس جديد ، والرفاق عديد ، فذهبت مع رفقتي إلى النادي والمسبح ، وبعد النادي ذهبنا إلى الردف ؛ لممارسة ركوب الخيل .
وكنت أعشق الخيل من صغري ، وكنت أتقدم على جميع أقراني في هذه الهواية ، لكن قدر الله وما شاء فعل !
يطاء الثرى مترفعاً من تيهه فكأنه آسن أو يجس عليلا
وأنا – وأعوذ بالله من كلمة ( أنا ) ، ومن فتنة القول وزوره ، ومن خطل الرأي وغروره – كنت ألعب الكرة فوق ما تتصور ، وكان أستاذ / زكريا – أحد أعضاء نادي النصر – مدربنا في ذلك الوقت ، أُخبرتُ عنه أنه قال عني : إن ( المحب ) له مستقبل مشرق في لعب الكرة .
لكن أتتني الدنيا بما لا أريد ، وتجري الرياح بما لا تشتهي السفن .
ألا ليت ما قد مضى يعود كما تعود إلى وكناتها الحمام ، ألم تروا المسك إن كب على الأرض تطأه الأقدام ، مهلاً يا رفاقي فإن بوادر الفجر تلد من ثقب الظلام ، إن كانت اليوم شمسي قد تغرَّبت فغداة غدٍ تخرج بالسلام .
وفي ذلك اليوم ركبت الخيل ، ولسوء حظي لم يجر ذلك الخيل ؛ فضجرته ونهرته حتى أني خاصمت صاحب الخيل بشدة ، وقلت له : لن أدفع لك الأجرة ؛ لقد فضحتني أمام رفاقي .
فقال صاحب الخيل : عندي لك خيل سريع ، لكنه شبه مجنون ؛ أتريد ذلك ؟
فقلت : نعم ، نعم ! طبعاً كنت في ذاك الوقت أعيش طيش الشباب .
فقال : إن وثبت عليه فأمسك اللجام بقوة ! وإياك إياك أن تضربه بالسوط ، أو تفلت اللجام !
قلت : حسناً ؛ فليكن ما تريد .
وأتى إلي بخيل عربي أصيل ، أبلق رمادي اللون ، طويل القامة ، أشقر الجبين ، طويل الذيل ، وكثير الشعر ، واسع العينين ، عريض الصدر ، منتفخ الذراعين والساقين !
فعندما أردت الركوب عليه منعني الخيل نفسه من الركوب عليه لعدة مرات في بداية الأمر ، فأصررت على ركوبه مهما كلفني الأمر .
فناديت صاحب الخيل ، وقلت : ما الذي يجري ؟
قال لي : انتبه على نفسك يا ولد ؛ ترى هذا الخيل مو بصاحي !
قلت : ما عليك ، بس أنت امسك الخيل بقوة .
وبعدما ركبت الخيل أخذ الخيل يرفس مكانه ولا يجري !
فقال لي أحد رفاقي : يا ( محب ) انزل ، دع عنك هذا ؛ فالخيل ( مسطول ) .
وفعلاً كان الخيل مسطولاً ، ولم تكن لي رغبة على ركوبها في ذلك الوقت ؛ لكني استحيت النزول أمام الجمهور والناس
الموجودين هناك .
وكأن نزولي من الخيل – في نظري – جريمة لا تغتفر !
إذ كان بين الحاضرين شاب يدعى ( باسم فاروق بن المرحوم ) ، فهذا الشاب كان خصمي ونظيري في المدرسة وفي كل شيء ؛ وقد كان يخيَّل لي أنه كان يتشمَّت بي في هذا الموقف .
فقلت : بعضي على بعضي يجرِّد سيفه ، والسهم مني نحو صدري يرسلُ ، والنار توقد في خيام عشيرتي ، وأنا الذي يا للمصيبة يشعلُ .
فرمقته بعيني وإذا بباسم ينظر إلي بطرف عينه ويضحك ، وكأنه يستصغرني ؛ عند ذلك أصبحت بين نارين : نار الركوب ، ونار النزول .
فإن نزلت لبست ثوب الخزي ، وإن ركبت فقد ركبت شيئاً ليس بمقدوري السيطرة عليه !
فأخوك مكره لا بطل .
وكنت أبلغ في ذاك الوقت من العمر 13 أو 14 سنة ، وما كان هذا الخيل بمستواي أصلاً .
فقلت لرفاقي ممازحاً : راح آخذ لفة بالخيل فإن مت فجهزوا كفني .
لقد صدق ما جاء في الحديث القدسي : " أنا عند ظن عبدي بي " !
فعندما شددت اللجام وأرخيته قليلاً وإذا بالخيل يهب كهبوب الرياح ، وقد كتبت في ذلك قصيدة أسميتها ( الخيل وكسر الأماني ) ، فنظرت أمامي وإذا بدوار في نهاية الطريق ، فدار الخيل من حوله ، أما أنا فخارت جميع قواي وتشبثت على السرج بأقوى ما أملك ، ولكن السرج مال ، فملت معه حتى وقعت بين أرجل الخيل ، وقد تعلقت قدمي اليسرى بالسرج ، ولك أن تتخيل منظر الركل الذي أصابني إثر ذلك ، ثم جردني الخيل في البيداء ، بين الأحجار والرمال ، وأنا من وراه مجرور وثوبي يغطي وجهي ، حتى خبط رأسي بصخرة كبيرة فأظلمت الدنيا ولم أعد أرى شيئاً ؛ ورحت في تمام الغيبوبة شهراً أو أكثر من شهر .
عندها تباطأ الخيل ، فأتوا الناس والرفاق وصاحب الخيل ، فقال صاحب الخيل : إياكم أن تطردوا الخيل !
فقالوا رفاقي : ليش ؟
فقال : لربما يفر الخيل إلى البراري ؛ فلا تجدون صاحبكم إلا ميتاً ، وممزق الجسم ! فلنتركه حتى يقف بنفسه !
فتركوني مع الخيل وهم ينظرون إلي ، وأنا أتدحرج بين أرجل الخيل كالكرة ؛ يا له من منظر رهيب !
وعندما توقف ، أمسك صاحب الخيل باللجام ، وأنزلني الناس منه ، وأنا ممزق الجسد ، ونزف رأسي من ثماني عشرة فتحة ، ولم أكن أعرف ما حدث لي ذاك الوقت ، إلا ما ذكره لي رفيقي ( عبد الحق ) .
وقد قلت : يا كوكباً ما كان أقصر عمره ، كذاك تكون كواكب الأسحار ، بت في عافية ، وأصبحت في هاوية !
فكم سراج أطفأته الريح ، وكم من عبادة أفسدها العجب .
فأصاب رفاقي الهم والحزن وأجهش بعضهم بالبكاء والعويل ، والبعض فر من المكان .
فأصبحت بعدها لا إلى الموتى فأنسى ، ولا إلى الأحياء فأرتجى .
بعد ذلك أخذني فاعل خير إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف – والله لا يوريكم شغل هذا المستشفى - ؛ ومن أجل ذلك فعلت 29 عملية ، وهي أكبر من عمري ، ولم تنجح بعد !
وكما قيل : إذا طبع الزمان بالاعوجاج ، فلا تطمع لنفسك بالاعتدال .
إن من أخطاء المستشفى الفادحة أنهم أدخلوا من أنفي لي التنفس ، ومن حنجرتي لي التغذية ، وما زالا كذلك فترة شهر كامل دون تغيير .
فسبب ذلك جروحاً ، والجرح أنبت لحماً في الأنف والحنجرة ، حتى سد القصبة الهوائية للتنفس ، وكلما قمت بعمل علمية وأزلت اللحمية رجعت من جديد ، وهكذا في كل مرة .
والآن لا أتنفس إلا بصعوبة شاقة ، مصحوبة بصوت شخير ، فقد بحَّ صوتي في أحد العمليات ؛ فتركت إمامة مسجد السديرة إثر ذلك .
فقالوا لي : يا ( محب ) ارفع شكوى على المستشفى والأطباء الذي كانوا سبباً في تفاقم مرضك .
قلت : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، ولكن الحمد لله على بقائي في الدنيا حي أعيش ؛ لأن من كان يراني في المستشفى ما كان يظن أنني أرجع وأعيش في الدنيا من جديد .
لقد تحدث بعض الأطباء إلى أهلي وأنا بالمستشفى بأني سأكون مشلولاً بالكامل ؛ لأن ضربة جاءت في الأعصاب والعمود الفقري ، والبعض الآخر رجحوا بأني سأشلُّ شللاً نصفياً ، والبعض منهم رأوا بأني سأفقد حواسي ، والبعض يقول : يكون أبكماً ... !
خرجت من المستشفى على كرسي متحرك ، لا أعلم هل أنا مشلول أم لا ؟! لا أعرف من كان معي من أهلي !
وبعد شهر بدأت أعرف وأميز كل شيء قليلاً قليلاً ، ثم بعد ذلك صرت أتحرك وأقف على قدمي وأمشي رويداً رويداً .
يعني كأني ولدت من جديد .
وقد طرقت لأجل علاجي بعض الدول خارج المملكة ؛ ولكن لم يكتب الله الشفاء ؛ فرجعت .
وظللت أكثر من سنة وأنا لا أنطق ؛ فتعلمت لغة الإشارة ، ولا أعرف حاسة الشم ؛ ومع هذا كنت أتطيب !
وإني – والله – ذقت الطيبات كلها ، فلم أجد أطيب من العافية ، وذقت المرارات كلها ، فلم أجد أشد مرارة من حاجتك إلى الناس .
فالحمد لله على هذا المرض ؛ أنه لم يكن في ديني فما لكسر الدين جبران !
وفي الختام فإن قصة أبو اليتيم الأفغاني مكتوبة لدي في سبعين صفحة ، ولكني اختصرتها لضيق المقام !
abaad qurashi
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق