السبت، 19 مارس 2016

الشَّيْخُ الضَّالُّ الأعْشَى ..!




كَانَ الأَعْشَى بِنُ قَيْسٍ شَيْخَاً كَبِيراً شَاعِرَاً ، خَرَجَ مِنَ اليَمَامَةِ ، مِنْ نَجْدٍ ، يُرِيدُ النَّبِيَّ r ، رَاغِبَاً فِي الدُّخُولِ فِي الإسْلَامِ ، مَضَى عَلَى رَاحِلَتِهِ ، مُشْتَاقَاً لِلِقَاءِ رَسُولِ اللهِ r ، بَلْ كانَ يَسِيرُ وَهُوَ يُرَدِّدُ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ r قَائِلَاً :
ألَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَــةَ أرْمَــــــدَا * وَبِتَّ كَمَــا بَاتَ السَّلِيــمُ مُسَهَّــدَا
ألَا أيُّهَــــــذَا السَّائِلِــــي أيْنَ يَمَّمَـتْ * فَإنَّ لَهَـــــــــــــــا فِي أهْلِ يَثْرِبَ مَـوْعِــدَا
نَبِيٌّ يَرَى مَـــــا لَا تَــــرَوْنَ وذِكْـــــــــــــــرُهُ * أغَارَ لَعَمْـــــــــــــرِي فِي البِلَادِ وَأنْجَـــدَا
أجِدُكَ لَمْ تَسْمَــعْ وِصَــــــاةَ مُحَمَّــــدٍ * نَبِيُّ الإلَهِ حَيْثُ أوْصَـــى وَأشْهَــــدَا
إذَا أنْتَ لَمْ تَرحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقى * وَلَاقَيْتَ بَعدَ الموْتِ مَـنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَــى ألَّا تَكُــونَ كَمِثْلِــــــهِ * فَتُرْصِدُ للأمْــرِ الَّذِي كَانَ أرْصَدَا
وَمَا زالَ يَقْطَعُ الفَيَافِي وَالقِفَارَ ، يَحْمِلُهُ الشَّوْقُ وَالغَرَامُ إلَى النَّبِيِّ r رَاغِبَاً فِي الإسْلَامِ ، وَنَبْذِ عِبَادَةِ الأصْنَامِ ، فَلَمَّا كَانَ قَرِيبَاً مِنَ الـمَدِيْنَةِ اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الـمُشْرِكِينَ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ أمْرِهِ ، فَأَخْبَرَهثم أنَّهُ جَاءَ يُرِيدُ لِقَاءَ رَسُولِ اللهِ r ليُسْلِمَ ، فَخَافُوا أنْ يُسْلِمَ هَذَا الشَّاعِرُ ، فَيَقُولَ فِي شَأْنِ النَّبِيِّ r ، فَشَاعِرٌ واحِدٌ وَهُوَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ قَدْ فَعَلَ بِهِمُ الأفَاعِيلَ ، فَكَيْفَ لَوْ أسْلَمَ شَاعِرُ العَرَبِ الأَعْشَى بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا أَعْشَى ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ لَكَ .
قَالَ : بَلْ دِينُهُ خَيْرٌ وَأَقْوَمُ .
فَنَظَرَ بَعْضُهُم إلَى بَعْضٍ وَجَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ ، كَيْفَ يَصُدُّونَهُ عَنِ الدِّينِ ، فَقَالُوا لَهُ : يَا أَعْشَى ، إنَّهُ يُحَرِّمُ الزِّنَا .
فَقَالَ : أنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ، وَمَا لِي فِي النِّسَاءِ حَاجَةٌ .
فَقَالُوا : إنَّهُ يُحَرِّمُ الخَمْرَ .
فَقَالَ : إنَّهَا مُذْهِبَةٌ للعَقْلِ ، مُذِلَّةٌ للرَّجُلِ ، وَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا .
فَلَمَّا رَأَوْا أنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الإسْلَامِ ، قَالُوا : نُعْطِيكَ مِئَةَ بَعِيرٍ وَتَرْجِعَ إلَى أهْلِكَ وَتَتْرُكَ الإسْلَامَ .
فَجَعَلَ يُفَكِّرُ فِي الـمَالِ ، فَإذَا هِيَ ثَرْوَةٌ عَظِيمَةٌ ، فَتَغَلَّبَ الشَّيْطَانُ عَلَى عَقْلِهِ ، وَالْتَفَتَ إلَيْهِم ، وَقَالَ : أمَّا الـمَالُ ، فَنَعَمْ .

فَجَمَعُوا لَهُ مِئَةَ بَعِيرٍ ، فَأَخَذَهَا ، وَارْتَدَّ عَلى عَقِبَيْهِ ، وَكَرَّ رَاجِعَاً إلَى قَوْمِهِ بِكُفْرِهِ ، وَاسْتَاقَ الإبِلَ أمَامَهُ فَرِحَاً بِهَا مُسْتَبْشِرَاً ، يَرَى أنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُ الشِّعْرُ مَعَ الجَاهِ وَالغِنَى ، لَكِنَّهُ نَسِيَ أنَّ اللهَ لَهُ بِالـمِرْصَادِ ، كَيْفَ يَعْصِي اللهَ لِأَجْلِ دُنْيَا ، وَاللهُ عِنْدَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، فَلَمَّا كَادَ يَبْلُغُ دِيَارَهُ ، سَقَطَ مِنْ عَلَى نَاقَتِهِ ، فَانْكَسَرَتْ رَقَبَتُهُ وَمَاتَ ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ الـمُبِين .


البلورة القصصية / عبدالله القرشي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق