كَانَ الأَعْشَى بِنُ قَيْسٍ
شَيْخَاً كَبِيراً شَاعِرَاً ، خَرَجَ مِنَ اليَمَامَةِ ، مِنْ نَجْدٍ ، يُرِيدُ
النَّبِيَّ r ،
رَاغِبَاً فِي الدُّخُولِ فِي الإسْلَامِ ، مَضَى عَلَى رَاحِلَتِهِ ، مُشْتَاقَاً
لِلِقَاءِ رَسُولِ اللهِ r ، بَلْ كانَ يَسِيرُ وَهُوَ
يُرَدِّدُ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ r قَائِلَاً :
ألَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ
لَيْلَــةَ أرْمَــــــدَا * وَبِتَّ كَمَــا بَاتَ السَّلِيــمُ مُسَهَّــدَا
ألَا أيُّهَــــــذَا
السَّائِلِــــي أيْنَ يَمَّمَـتْ * فَإنَّ لَهَـــــــــــــــا فِي أهْلِ يَثْرِبَ
مَـوْعِــدَا
نَبِيٌّ يَرَى مَـــــا
لَا تَــــرَوْنَ وذِكْـــــــــــــــرُهُ * أغَارَ لَعَمْـــــــــــــرِي فِي
البِلَادِ وَأنْجَـــدَا
أجِدُكَ لَمْ تَسْمَــعْ
وِصَــــــاةَ مُحَمَّــــدٍ * نَبِيُّ الإلَهِ حَيْثُ أوْصَـــى وَأشْهَــــدَا
إذَا أنْتَ لَمْ تَرحَلْ
بِزَادٍ مِنَ التُّقى * وَلَاقَيْتَ بَعدَ الموْتِ مَـنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَــى ألَّا
تَكُــونَ كَمِثْلِــــــهِ * فَتُرْصِدُ للأمْــرِ الَّذِي كَانَ أرْصَدَا
وَمَا زالَ يَقْطَعُ الفَيَافِي
وَالقِفَارَ ، يَحْمِلُهُ الشَّوْقُ وَالغَرَامُ إلَى النَّبِيِّ r رَاغِبَاً
فِي الإسْلَامِ ، وَنَبْذِ عِبَادَةِ الأصْنَامِ ، فَلَمَّا كَانَ قَرِيبَاً مِنَ
الـمَدِيْنَةِ اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الـمُشْرِكِينَ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ أمْرِهِ ، فَأَخْبَرَهثم
أنَّهُ جَاءَ يُرِيدُ لِقَاءَ رَسُولِ اللهِ r ليُسْلِمَ ، فَخَافُوا أنْ
يُسْلِمَ هَذَا الشَّاعِرُ ، فَيَقُولَ فِي شَأْنِ النَّبِيِّ r ،
فَشَاعِرٌ واحِدٌ وَهُوَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ قَدْ فَعَلَ بِهِمُ الأفَاعِيلَ ،
فَكَيْفَ لَوْ أسْلَمَ شَاعِرُ العَرَبِ الأَعْشَى بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالُوا لَهُ :
يَا أَعْشَى ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ لَكَ .
قَالَ : بَلْ دِينُهُ خَيْرٌ
وَأَقْوَمُ .
فَنَظَرَ بَعْضُهُم إلَى
بَعْضٍ وَجَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ ، كَيْفَ يَصُدُّونَهُ عَنِ الدِّينِ ، فَقَالُوا
لَهُ : يَا أَعْشَى ، إنَّهُ يُحَرِّمُ الزِّنَا .
فَقَالَ : أنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ
، وَمَا لِي فِي النِّسَاءِ حَاجَةٌ .
فَقَالُوا : إنَّهُ يُحَرِّمُ
الخَمْرَ .
فَقَالَ : إنَّهَا مُذْهِبَةٌ
للعَقْلِ ، مُذِلَّةٌ للرَّجُلِ ، وَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا .
فَلَمَّا رَأَوْا أنَّهُ
عَازِمٌ عَلَى الإسْلَامِ ، قَالُوا : نُعْطِيكَ مِئَةَ بَعِيرٍ وَتَرْجِعَ إلَى
أهْلِكَ وَتَتْرُكَ الإسْلَامَ .
فَجَعَلَ يُفَكِّرُ فِي
الـمَالِ ، فَإذَا هِيَ ثَرْوَةٌ عَظِيمَةٌ ، فَتَغَلَّبَ الشَّيْطَانُ عَلَى عَقْلِهِ
، وَالْتَفَتَ إلَيْهِم ، وَقَالَ : أمَّا الـمَالُ ، فَنَعَمْ .
فَجَمَعُوا لَهُ مِئَةَ
بَعِيرٍ ، فَأَخَذَهَا ، وَارْتَدَّ عَلى عَقِبَيْهِ ، وَكَرَّ رَاجِعَاً إلَى قَوْمِهِ
بِكُفْرِهِ ، وَاسْتَاقَ الإبِلَ أمَامَهُ فَرِحَاً بِهَا مُسْتَبْشِرَاً ، يَرَى
أنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُ الشِّعْرُ مَعَ الجَاهِ وَالغِنَى ، لَكِنَّهُ نَسِيَ
أنَّ اللهَ لَهُ بِالـمِرْصَادِ ، كَيْفَ يَعْصِي اللهَ لِأَجْلِ دُنْيَا ، وَاللهُ
عِنْدَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، فَلَمَّا كَادَ يَبْلُغُ دِيَارَهُ
، سَقَطَ مِنْ عَلَى نَاقَتِهِ ، فَانْكَسَرَتْ رَقَبَتُهُ وَمَاتَ ، خَسِرَ الدُّنْيَا
وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ الـمُبِين .
البلورة القصصية / عبدالله القرشي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق