السبت، 19 مارس 2016

لَيْسَ فِيلْمَاً هِنْدِيَّاً ..!




مَا سَأْرْوِيهِ لَكُمْ لَيْسَ فِيلْمَاً هِنْدِيَّاً ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ أبْطَالِهِ أحَدٌ مِنْ عَائِلَةِ ( كُومَار ) ، بَلْ إنَّ بَطَلَهُ شَابٌّ وُلِدَ عَلَى أرْضٍ عَرَبِيَّةٍ فِي بِدَايَةِ الأرْبِعِينِيَّاتِ .
فَقَدْ جَاءَ وَالِدُهُ إلَى هَذَا البَلَدِ لَيْسَ بَحْثَاً عَنِ الرِّزْقِ ، إذْ إنَّ ذَلِكَ البَلَدَ فِي تِلْكَ الأيَّامِ يُعْتَبَرُ مِنْ أفْقَرِ دُوَلِ الـمِنْطَقَةِ ، بَلْ جَاءَ هَرَبَاً مِنْ بَطْشِ حَاكِمِ بَلَدِهِ ، وَالَّذِي لَـمْ يَمْنَحْهُ حَتَّى مَا يُثْبِتُ انْتَمَاؤُهُ ، وَحِفَاظَاً عَلَى مَا تَبَقَّى لَهُ مِنَ الأبْنَاءِ ، وَصِيَانَةً لِكَرَامَتِهِ ، جَاءَ آنَذَاكَ ، وَلَكِنَّ خَطَأَهُ الرَّئِيسَ هُوَ أنَّهُ سَعَى لِلآخَرِينَ لِيَأْخُذُوا الجِنْسِيَّةَ ، بَيْنَمَا نَسِيَ نَفْسَهُ ، لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنَاً لِأَخْذِهَا .
وَمَرَّتِ الأَيَّامُ ، وَإذَا بِهِ يَجِدُ نَفْسَهُ ضِمْنَ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِم ( غَيْرُ مُحَدِّدِيِّ الجِنْسِيَّةِ ) .
وَمِنْ هُنَا بَدَأَتِ الـمَأْسَاةُ الـمُتَشَعِّبَةُ ، فَقَدْ نَشَأَ أحَدُ أبْنَاءِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ، وَالَّذِي هُوَ بَطَلُ قِصَّتِنَا ، وَعَلَيْهِ عَلَامَاتُ النُّبُوغِ الـمُبَكِّرِ ، فَقَدْ وَلِعَ بِقِرَاءَةِ كُلِّ مَا يَتَّصِلُ بِالطَّائِرَاتِ الحَرْبِيَّةِ ، وَالاطِّلَاعِ عَلَى كُلِّ جَدِيدٍ فِي هَذَا الـمَجَالِ .
وَمَا إنِ انْقَضَتْ سَنَةُ التَّخَرُّجِ مِنَ الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ حَتَّى كَانَ قَدْ أتَى عَلَى نِهَايَةِ الكِتَابِ الأوَّلِ الَّذِي ألَّفَهُ فِي الطَّائِرَاتِ الـمُقَاتِلَةِ ، فَتَلَقَّفَتْهُ إحْدَى الـمُؤَسَّسَاتِ العِلْمِيَّةِ ، وَطَبَعَتْهُ عَلَى حِسَابِهَا ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّمَيُّزِ ، وَتَقَدَّمَ للجِهَاتِ الـمَعْنِيَّةِ ، وَكَانَ مُؤَهَّلُهُ شَهَادَتَهُ الثَّانَوِيَّةَ ، وَهَذَا الكِتَابَ الفَرِيدَ لِتَحْقِيقِ رَغْبَتِهِ حَتَّى يُصْبِحَ طَيَّارَاً ، وَلَكِنْ أُوصِدَتِ الأَبَوَابُ أمَامَهُ بِسَبَبِ عَدَمِ وُجُودِ الهُوِيَّةِ .
وَحَاوَلَ ثَانِيَةً عَنْ طَرِيقِ الوَاسِطَةِ ، وَكَذَلِكَ أُوصِدَتِ الأبْوَابُ فِي وَجْهِهِ .
فَاتَّجَهَ إلَى السَّفَارَةِ الأمْرِيكِيَّةِ ، وَقَابَلَ السَّفِيرَ وَهُوَ يَحْمِلُ الكِتَابَ ، فَتَعَجَّبَ السَّفِيرُ مِمَّا فِي الكِتَابِ وَانْتَبَهَ لِنُبُوغِهِ ، وَبَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ مِنَ الـمُقَابَلَةِ فَقَطْ كَانَ فِي الوِلَايَاتِ الـمُتَّحِدَةِ لِيَسْتَقْبِلَهُ مُمَثِّلٌ مِنْ إحْدَى القَوَاعِدِ العَسْكَرِيَّةِ ، وَتَسَهَّلَتْ لَهُ جَمِيعُ الأمُورِ للدِّرَاسَةِ فِي أرْقَى جَامَعَاتِ أمْرِيكَا لِيَتَخَرَّجَ بَعْدَهَا مُهَنْدِسَاً فِي سِلَاحِ الطَّيَرَانِ الأمْرِيكِيِّ بَعْدَ أنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ أحَدِ كِبَارِ الجِنَرَالَاتِ فِي الجَيْشِ الأمْرِيكِيِّ .
سَأَلَهُ أحَدُ الصَّحَفِيِّينَ عَامَ 1988 مِ : هَلْ سَتُقَاتِلُ أخَاكَ العَرَبِيَّ إذَا دَارَتْ حَرْبٌ بَيْنَ أمْرِيكَا وَالدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ ؟
تَوَقَّفَ قَلِيلَاً ، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ مَلِيئَةٍ بِالْحُزْنِ : قَدْ يَأْتِي اليَوْمُ الَّذِي أجِدُ فِيهِ نَفْسِي مُجْبَرَاً عَلَى قَتْلِ أخِي أوِ العَكْسِ ، وَلَكِنَّ أمْرِيكَا بَلَدٌ عَرَفَ مَعْنَى الحَرْبِ ، وَقِيمَةَ الإنْسَانِ ، وَتُرَاعِي مَشَاعِرَ الإنْسَانِ حَتَّى فِي الـمَوْتِ وَأسْبَابِهِ ، وَأتَوَقَّعُ ألَّا تُرْسِلَنِي أمْرِيكَا إلَى حَرْبٍ طَرَفُهَا الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ ؛ حَتَّى لَا أقْتُلَ شَقِيقِي لِاعْتِبَارَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَأُخْرَى إنْسَانِيَّة .
وَسَألَهُ ذَلِكَ الصَّحَفِيُّ سُؤَالَاً أخِيرَاً بَعْدَ تَخَرُّجِهِ وَزَوَاجِهِ : مَاذَا لَوْ دَعَاكَ وَطَنُكَ الأَصْلِيُّ ؟
فَقَالَ : وَطَنِي هُوَ الوِلَايَاتُ الـمُتَّحِدَةُ ، وَسَأَبْنِي هَذَا الأَصْلَ الجَدِيدَ فِي نُفُوسِ أبْنَائِي وَأَحْفَادِي حَتَّى أكُونَ وَفِيَّاً للوَطَنِ الَّذِي مَنَحَنِي مَا أُرِيدُ .. مَنَحَنِي الكَرَامَةَ ، وَالإنْسَانُ لَنْ يَعِيشَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً .. وَلَا يَمْلِكُ الخَيَارَ فِي ذَلِكَ ، لِذَلِكَ فَإنَّ وَطَنِي الأَصْلِيَّ هُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِي ، أحْتَرِمُهُ وتَحْتَرِمُهُ حَتَّى الوِلَايَاتِ الـمُتَّحِدَةِ الَّتِي لَـمْ تُرْغِمْنِي عَلَى تَغْيِيرِ اسْمِي العَرَبِيِّ الَّذِي يَحْمِلُ اسْمَ " الله " ، وَطَبَعَتْهُ بِالحُرُوفِ عَلَى جَوَازِي وَجِنْسِيَّتِي بِكُلِّ احْتِرَامٍ وَتَقْدِيرٍ ، وَسَيَبْقَى وَطَنِي الأَصْلِيُّ صُورَةً فِي غَايَةِ الجَمَالِ ، وَحُبَّاً يَسْرِي فِي عُرُوقِي إلَى الأبَدِ ، وَسَأقُصُّ لِأَحْفَادِي فِي يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ قِصَّةَ وَطَنِي الأصْلِيِّ وَذِكْرَيَاتِ الطُّفُولَةِ ، وَلَكِنْ سَأتَجَنَّبُ أنْ أشْرَحَ لَهُم سَبَبَ رَحِيلِي .
فَانْقَطَعَتْ أخْبَارُهُ عَنْ بَلَدِهِ حَتَّى جَاءَتِ الأَزْمَةُ الَّتِي حَدَثَتْ بَيْنَ بَلَدِهِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ وَبَلَدٍ مُجَاوِرٍ ..
لَقَدْ عَادَ إلَى مَوْطِنِهِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ ، وَلَكِنْ مَعَ طَلَائِعِ الجَيْشِ الأمْرِيكِيِّ ، عَادَ ضِمْنَ نُسُورِ الجَوِّ الَّذِي جَاؤُوا لِيُخَلِّصُوا بِلَادَهُ مِنَ الـمُعْتَدِي ، وَهَا هُوَ فَوْقَ سَمَاءِ الأَرْضِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا وَتَرَعْرَعَ ، يُـمْسِكُ العَبَرَاتِ وَالدُّمُوعَ أنْ تَنْفَجِرَ لِكَيْلَا يُفضَحَ أمَامَ زُمَلَائِهِ الطَّيَّارِين .

هَا هُوَ قَدْ عَادَ وَقَلْبُهُ مُمْتَلِئٌ بِالحُزْنِ الـمَمْزُوجِ بِفَرْحَةِ العَوْدَةِ ، وَلَكِنْ مِنَ البَوَّابَةِ الأُخْرَى .

البلورة القصصية / عبدالله القرشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق