مَا سَأْرْوِيهِ لَكُمْ لَيْسَ فِيلْمَاً هِنْدِيَّاً
، وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ أبْطَالِهِ أحَدٌ مِنْ عَائِلَةِ ( كُومَار ) ، بَلْ إنَّ
بَطَلَهُ شَابٌّ وُلِدَ عَلَى أرْضٍ عَرَبِيَّةٍ فِي بِدَايَةِ الأرْبِعِينِيَّاتِ
.
فَقَدْ جَاءَ وَالِدُهُ إلَى هَذَا البَلَدِ لَيْسَ
بَحْثَاً عَنِ الرِّزْقِ ، إذْ إنَّ ذَلِكَ البَلَدَ فِي تِلْكَ الأيَّامِ يُعْتَبَرُ
مِنْ أفْقَرِ دُوَلِ الـمِنْطَقَةِ ، بَلْ جَاءَ هَرَبَاً مِنْ بَطْشِ حَاكِمِ بَلَدِهِ
، وَالَّذِي لَـمْ يَمْنَحْهُ حَتَّى مَا يُثْبِتُ انْتَمَاؤُهُ ، وَحِفَاظَاً عَلَى
مَا تَبَقَّى لَهُ مِنَ الأبْنَاءِ ، وَصِيَانَةً لِكَرَامَتِهِ ، جَاءَ آنَذَاكَ
، وَلَكِنَّ خَطَأَهُ الرَّئِيسَ هُوَ أنَّهُ سَعَى لِلآخَرِينَ لِيَأْخُذُوا الجِنْسِيَّةَ
، بَيْنَمَا نَسِيَ نَفْسَهُ ، لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنَاً لِأَخْذِهَا .
وَمَرَّتِ الأَيَّامُ ، وَإذَا بِهِ يَجِدُ نَفْسَهُ
ضِمْنَ مَنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِم ( غَيْرُ مُحَدِّدِيِّ الجِنْسِيَّةِ ) .
وَمِنْ هُنَا بَدَأَتِ الـمَأْسَاةُ الـمُتَشَعِّبَةُ
، فَقَدْ نَشَأَ أحَدُ أبْنَاءِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ، وَالَّذِي هُوَ بَطَلُ قِصَّتِنَا
، وَعَلَيْهِ عَلَامَاتُ النُّبُوغِ الـمُبَكِّرِ ، فَقَدْ وَلِعَ بِقِرَاءَةِ كُلِّ
مَا يَتَّصِلُ بِالطَّائِرَاتِ الحَرْبِيَّةِ ، وَالاطِّلَاعِ عَلَى كُلِّ جَدِيدٍ
فِي هَذَا الـمَجَالِ .
وَمَا إنِ انْقَضَتْ سَنَةُ التَّخَرُّجِ مِنَ
الثَّانَوِيَّةِ العَامَّةِ حَتَّى كَانَ قَدْ أتَى عَلَى نِهَايَةِ الكِتَابِ
الأوَّلِ الَّذِي ألَّفَهُ فِي الطَّائِرَاتِ الـمُقَاتِلَةِ ، فَتَلَقَّفَتْهُ إحْدَى
الـمُؤَسَّسَاتِ العِلْمِيَّةِ ، وَطَبَعَتْهُ عَلَى حِسَابِهَا ، لِمَا فِيهِ مِنَ
التَّمَيُّزِ ، وَتَقَدَّمَ للجِهَاتِ الـمَعْنِيَّةِ ، وَكَانَ مُؤَهَّلُهُ شَهَادَتَهُ
الثَّانَوِيَّةَ ، وَهَذَا الكِتَابَ الفَرِيدَ لِتَحْقِيقِ رَغْبَتِهِ حَتَّى يُصْبِحَ
طَيَّارَاً ، وَلَكِنْ أُوصِدَتِ الأَبَوَابُ أمَامَهُ بِسَبَبِ عَدَمِ وُجُودِ
الهُوِيَّةِ .
وَحَاوَلَ ثَانِيَةً عَنْ طَرِيقِ الوَاسِطَةِ ،
وَكَذَلِكَ أُوصِدَتِ الأبْوَابُ فِي وَجْهِهِ .
فَاتَّجَهَ إلَى السَّفَارَةِ الأمْرِيكِيَّةِ ، وَقَابَلَ
السَّفِيرَ وَهُوَ يَحْمِلُ الكِتَابَ ، فَتَعَجَّبَ السَّفِيرُ مِمَّا فِي الكِتَابِ
وَانْتَبَهَ لِنُبُوغِهِ ، وَبَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ مِنَ الـمُقَابَلَةِ فَقَطْ كَانَ
فِي الوِلَايَاتِ الـمُتَّحِدَةِ لِيَسْتَقْبِلَهُ مُمَثِّلٌ مِنْ إحْدَى القَوَاعِدِ
العَسْكَرِيَّةِ ، وَتَسَهَّلَتْ لَهُ جَمِيعُ الأمُورِ للدِّرَاسَةِ فِي أرْقَى جَامَعَاتِ
أمْرِيكَا لِيَتَخَرَّجَ بَعْدَهَا مُهَنْدِسَاً فِي سِلَاحِ الطَّيَرَانِ الأمْرِيكِيِّ
بَعْدَ أنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ أحَدِ كِبَارِ الجِنَرَالَاتِ فِي الجَيْشِ الأمْرِيكِيِّ
.
سَأَلَهُ أحَدُ الصَّحَفِيِّينَ عَامَ 1988 مِ : هَلْ سَتُقَاتِلُ
أخَاكَ العَرَبِيَّ إذَا دَارَتْ حَرْبٌ بَيْنَ أمْرِيكَا وَالدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ
؟
تَوَقَّفَ قَلِيلَاً ، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ مَلِيئَةٍ
بِالْحُزْنِ : قَدْ يَأْتِي اليَوْمُ الَّذِي أجِدُ فِيهِ نَفْسِي مُجْبَرَاً عَلَى
قَتْلِ أخِي أوِ العَكْسِ ، وَلَكِنَّ أمْرِيكَا بَلَدٌ عَرَفَ مَعْنَى الحَرْبِ ،
وَقِيمَةَ الإنْسَانِ ، وَتُرَاعِي مَشَاعِرَ الإنْسَانِ حَتَّى فِي الـمَوْتِ وَأسْبَابِهِ
، وَأتَوَقَّعُ ألَّا تُرْسِلَنِي أمْرِيكَا إلَى حَرْبٍ طَرَفُهَا الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ
؛ حَتَّى لَا أقْتُلَ شَقِيقِي لِاعْتِبَارَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَأُخْرَى إنْسَانِيَّة
.
وَسَألَهُ ذَلِكَ الصَّحَفِيُّ سُؤَالَاً أخِيرَاً
بَعْدَ تَخَرُّجِهِ وَزَوَاجِهِ : مَاذَا لَوْ دَعَاكَ وَطَنُكَ الأَصْلِيُّ ؟
فَقَالَ : وَطَنِي هُوَ الوِلَايَاتُ الـمُتَّحِدَةُ
، وَسَأَبْنِي هَذَا الأَصْلَ الجَدِيدَ فِي نُفُوسِ أبْنَائِي وَأَحْفَادِي حَتَّى
أكُونَ وَفِيَّاً للوَطَنِ الَّذِي مَنَحَنِي مَا أُرِيدُ .. مَنَحَنِي الكَرَامَةَ
، وَالإنْسَانُ لَنْ يَعِيشَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً .. وَلَا
يَمْلِكُ الخَيَارَ فِي ذَلِكَ ، لِذَلِكَ فَإنَّ وَطَنِي الأَصْلِيَّ هُوَ حَقٌّ
فِي نَفْسِي ، أحْتَرِمُهُ وتَحْتَرِمُهُ حَتَّى الوِلَايَاتِ الـمُتَّحِدَةِ الَّتِي
لَـمْ تُرْغِمْنِي عَلَى تَغْيِيرِ اسْمِي العَرَبِيِّ الَّذِي يَحْمِلُ اسْمَ "
الله " ، وَطَبَعَتْهُ بِالحُرُوفِ عَلَى جَوَازِي وَجِنْسِيَّتِي بِكُلِّ احْتِرَامٍ
وَتَقْدِيرٍ ، وَسَيَبْقَى وَطَنِي الأَصْلِيُّ صُورَةً فِي غَايَةِ الجَمَالِ ، وَحُبَّاً
يَسْرِي فِي عُرُوقِي إلَى الأبَدِ ، وَسَأقُصُّ لِأَحْفَادِي فِي يَوْمٍ مِنَ
الأيَّامِ قِصَّةَ وَطَنِي الأصْلِيِّ وَذِكْرَيَاتِ الطُّفُولَةِ ، وَلَكِنْ سَأتَجَنَّبُ
أنْ أشْرَحَ لَهُم سَبَبَ رَحِيلِي .
فَانْقَطَعَتْ أخْبَارُهُ عَنْ بَلَدِهِ حَتَّى جَاءَتِ
الأَزْمَةُ الَّتِي حَدَثَتْ بَيْنَ بَلَدِهِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ وَبَلَدٍ مُجَاوِرٍ
..
لَقَدْ عَادَ إلَى مَوْطِنِهِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ
، وَلَكِنْ مَعَ طَلَائِعِ الجَيْشِ الأمْرِيكِيِّ ، عَادَ ضِمْنَ نُسُورِ الجَوِّ
الَّذِي جَاؤُوا لِيُخَلِّصُوا بِلَادَهُ مِنَ الـمُعْتَدِي ، وَهَا هُوَ فَوْقَ سَمَاءِ
الأَرْضِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا وَتَرَعْرَعَ ، يُـمْسِكُ العَبَرَاتِ وَالدُّمُوعَ
أنْ تَنْفَجِرَ لِكَيْلَا يُفضَحَ أمَامَ زُمَلَائِهِ الطَّيَّارِين .
هَا هُوَ قَدْ عَادَ وَقَلْبُهُ مُمْتَلِئٌ بِالحُزْنِ
الـمَمْزُوجِ بِفَرْحَةِ العَوْدَةِ ، وَلَكِنْ مِنَ البَوَّابَةِ الأُخْرَى .
البلورة القصصية / عبدالله القرشي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق