لطالما اغتبتُ غيري ..
وما كنتُ أرشف من هذا القدح .. لولا مجالسة أنصار الغيبة ..
إلا أني في الحين والآخر .. أحاول التشبث بمجداف النجاة من الغرق في بحر الغيبة ..
فنحن في تكلمنا عن غيرنا بما يكره لا نخرج من إطار مثلثيٍّ .. تعلو الغيبة قمته .. ويقعد على ركنيه الإفك والبهتان .. وكلٌّ في كتاب الجليل جلَّ شأنه ..
فما بالنا نتشوق لما يعكِّر صفو غيرنا .. ونلبس غيرنا العقد المحلول خرزه .. ؟!
وما حال غيرنا معنا .. ؟!
أأجهل عن أنهم يكسِّرون عظامنا بساطور ألسنتهم .. ؟َ!
ما حال البشر ببعضهم لبعض .. ؟! فهم يسلخون جلود بعضهم باستمتاع .. حتى تكاد الحروف التي نُطِقَت أن تتبرأ منهم من هول ما يتحدثون فيه ..
إن فكر مستعبدي تلك الحروف أصبح مساوياً - في حالهم وهم يتحدثون غيبة - بالحذاء ..!
وكما قيل : الجزاء من جنس العمل ..
فلو حاولنا أن نضع حاجزاً لهذه الترهات .. ودستور حل لها .. لما وجدنا أفضل من حاجز الحذاء ..
فللأحذية فائدة عظيمة .. عوضاً عن أنها تنتعل للعلاج الطبيعي .. فهي تحول دون وقوعنا في النجاسات ..
وإن لم يتم انتعالها فلا مناص من الوقوع في المحظور من الأوساخ ..
ولكن كيف نجعلها حاجزاً لما ينطقه اللسان ممن يتشدقون في غيرهم .. ؟!
نعلم جميعاً بأن الحذاء وضعه ومكانه الطبيعي تحت أقدام البشر .. فهي مذلولة مهانة ( مجازاً ) .. رغم فائدتها ..
لقد تمكَّن الحذاء بفضل وفائه - في نظري - أن يخطف لقب " رفيق الدرب " ؛؛ فهو معنا أينما ذهبنا .. حتى في داخل المسجد في بعض الأحكام ..
ولكن يمكننا ردَّ معروف الحذاء شكراً وعرفاناً له ، بتغيير وضعيته - خصوصاً - مع ممن يمثلون فئة المغتابين ..
فنرفع من شأنه .. ونعلي من مكانته ليكون على رؤوس الجائعين للهتك بأعراض الخلق ..
فهذه معادلة مبسطة جداً .. !
أعيدها مختصرة .. فكلما كان المرء سيِّدَ نفسه .. كان الحذاء " خادمه " .. في قعر خمصه ..
وكلما انتقص المرء من سيادة نفسه ، وأذلَّها بالولوج في المراء والغيبة .. كان الحذاء " تاجه " في قعر رأسه ..
ثم أستدرك من هذه الفئة - رغم قلَّتهم - ممن أطلق عليهم " بالشبعانين " .. الذين لا يزاحمون بألسنتهم من يثرثر غيبة في طريق القال والقيل ..
إلا أنهم إن دعوا إلى مناسبة " حشٍّ " تجدهم يعتذرون في بادئ الأمر .. إلا أن غريزتهم الملحًّة للمشاركة تفرض عليهم الدخول في الدوَّامة بحُجَّة " النقنقة " في مصطلح الشبعان ؛ وهو أن يأكل من لحوم البشر ( مجازاً ) دون الإكثار منه ؛؛ حتى لا يصاب بتخمة النفاق والغيبة ..
فأنا أقسم لو أنَّ الناس حُرِمُوا من التكلُّم عن غيرهم ؛؛ لأصبح النصف منهم " أبكم " ..! والرُّبع منهم " عالم أصمٌّ " ..!
فتتحقق بذلك قسمة الموازنة بين " البكم والصمِّ " لتهوي بهم في مغارة ضيقة هي " الصمت " ..!
علمتُ الآن لِمَ كان الصمت حكمة .. ؟!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق