صاحب فلسفة التشاؤم ، الذي يقول بأن السعادة هي مجرد غياب
الألم ، هو شوبنهور ..
ولكنِّي لن أعرِّج على تعريفات التشاؤم وتحليلاته النفسية ، بل
سأعرض أسباب التشاؤم من بعض الأشياء ..
فتشاؤم الغربيين من الرقم 13 سببه هو ارتباطه بـ ( يهوذا )
الذي خان المسيح عليه السلام في قصة العشاء الأخير ، إذ كان
ترتيبه الثالث عشر من بين الأشخاص المدعوين ..
أما سبب تشاؤم المرور من تحت سلم خشبي فيرجع إلى القرون
الوسطى عندما كانت معظم أحكام الإعدام في أوروبا تنفذ
باستخدام سلم خشبي مستند إلى الحائط ، ويتدلى منه حبل يشنق
به المجرم ..
أما التشاؤم من الغراب فمرتبط بقصة قتل قابيل لأخيه هابيل ،
فعندما احتار في كيفية التخلص من جثته ، شاهد غراباً يحفر في
الأرض ؛ ليدفن غراباً آخر ميت ، ومن هنا نبتت في رأس قابيل
فكرة دفن الميت ، ومن هنا أيضاً ارتبط الغراب بالموت فتشاءم
منه الناس ..
وهناك بعض الروايات التي تشير إلى أن النبي نوح عليه السلام
قد أرسل غراباً ؛ ليعرف له أمر الطوفان ، ومنسوب المياه ،
ولكن الغراب انشغل بجيفة طافية ، ولم يرجع ، فأرسل نوح عليه
السلام حمامة بدلاً من الغراب ، فأتته بورقة خضراء عرف من
خلالها أن الطوفان قد انتهى ، وأن منسوب المياه انخفض ،
وهذا من أحد الأسباب التي تفاءل فيها الناس منذ القدم بالحمامة
، واعتبروها رمزاً للسلام ..
وأما التشاؤم من البومة فلكونها تعيش نهاراً في المباني
المتهالكة المهجورة ، ولا ترى إلا ليلاً ، ويُعتقد بأن روح
الإنسان الميت تخرج على هيأة طائر البومة لتصرخ حزناً على
جسده المدفون في القبر ..
وأما التشاؤم من إشعال ثلاث سجائر من عود ثقاب واحد فيعود
إلى الحرب العالمية الأولى ، فعندما كان الجنود يمضون أوقاتاً
طويلة في الخنادق ، كان بعضهم يشعل سيجاره ، ومن نفس
عود الثقاب يشعل سجائر زملائه ، وعندما يشعل ثالث شخص
سيجارته من نفس العود يصاب برصاص الأعداء ؛ وذلك لأن
عود الثقاب يكون في الليل هدفاً مرئياً واضحاً ، وفي المدة التي
يشعل فيها الأول والثاني سجائرهم يكون العدو قد أحكم
التصويب ، فيصيب الثالث ، وأدى تكرار هذه الحادثة إلى نشوء
التشاؤم من إشعال ثلاث سجائر من عود ثقاب واحد ..
وأما العرب في الجاهلية فكانوا إن أرادوا أن يقدموا على عمل ما
، كانوا يزجرون الطير أو يرمونه بحجر ، فإن طار يميناً تفاءلوا
بالعمل ، وإن طار يساراً تشاءموا منه ، وهو سبب نشوء لفظة
التطيُّر عندهم ..
ويحكى أيضاً أن أحد ملوك الفرس قد خرج إلى الصيد فكان أول
من شاهد في رحلته رجلاً أعور ، فتشاءم الملك من رؤيته لذلك
الأعور ، واعتبره فألاً سيئاً ، فضربه ، وأمر بحبسه ، ثم ذهب
للصيد ، وهو يحمل شعوراً بالتشاؤم بأنه لن يصطاد شيئاً ،
ولكنه تفاجأ حين اصطاد صيداً كثيراً لم يتوقعه إطلاقاً ، فشعر
بالندم الشديد لما فعله بذلك الأعور ، ولما عاد من رحلة الصيد ،
أمر بإطلاق سراح الأعور ، وأغدق عليه بالمال الوفير ؛ تعويضاً
له عما فعله به ، ولكن الأعور رفض ذلك المال ، وقال للملك :
إنك لقيتني ، فضربتني ، وحبستني ، ولقيتك فاصطدت صيداً
وفيراً ، فمن منا كان شؤماً على الآخر ؟!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق